الرئيسية   تقارير

المهاجرون الأفارقة... حطب يوقد بهم الحوثي وليمته

الأحد 12 سبتمبر-أيلول 2021 الساعة 07 صباحاً / أخبار اليوم / تقرير خاص
 

 

 

 

يفر آلاف الأفارقة من شرق القارة السمراء كل عامٍ هرباً من شظف العيش في بلدانهم المضطربة، ليركبوا أمواج البحر العاتية في خليج عدن، أملاً في الوصول إلى بر الأمان المأمول في الشواطئ اليمنية.. البعض يحالفهم الحظ بالنجاة، أما البقية فعادة ما تتقطع بهم السبل على اليابسة أو يموتون في عرض البحر بفعل مكائد القراصنة وألاعيب تجار البشر .

 

من تطأ أقدامهم التراب اليمني سرعان ما يشرعون في رحلة أخرى محفوفة بمخاطر من نوع آخر، وذلك حتى يستقر بهم المقام في أي مدينة او بلدة يمنية، ثم لا يلبثون أن يجمعوا ما تيسر لديهم من المال لقاء قيامهم ببعض الأعمال البسيطة بأجور زهيدة للغاية .

 

الا أن أحداث الأزمة اليمنية عقب الانقلاب الحوثي على السلطة في اليمن، هددت فرص النجاة أمام المهاجرين الأفارقة، لا سيما بعد أن قام مسلحي جماعة الحوثي في الـ7 من مارس/آذار مطلع العام الجاري، بإلقاء القنابل على مئات المحتجزين الأفارقة

 

عن كثب

 

كشفت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، عبر تقريرها الدوري التاسع تحقيقها حول محرقة المهاجرين الأفارقة بمبنى مصلحة الهجرة والجوازات في العاصمة صنعاء، حيث قامت الجماعة بإلقاء عدد من القنابل الدخانية والمسيلة للدموع، وكذا القنابل الحارقة والمتفجرة، في هنجر حجز الجوازات الذي يضم بداخلها أكثر من 450 مهاجرًا أفريقي، معظمهم من الجنسية الأثيوبية

 

أشارت اللجنة في تقريرها الى أنها عملت على توثيق ورصد الجريمة، من خلال مقابلات مع بعض الناجين والشهود في صنعاء، كما حصلت على عدد من الصور والفيديوهات التي قامت بتحليلها وفحصها فيما بعد

 

ينقل تقرير اللجنة عن الشهود أن" جماعة الحوثي قامت بحمله اعتقالات للمهاجرين الأفارقة قبل عدة شهور من ارتكاب الجريمة، لاسيما الأثيوبيين، حيث عملت على اعتقالهم من الشوارع والطرقات والمطاعم والمقاهي والأماكن العامة في مختلف المحافظات التي تقع تحت سيطرتها، وخاصة العاصمة صنعاء، ثم أودعتهم حجز الهجرة والجوازات بصنعاء

 

وأفاد التقرير أن الحجز يتكون من عدة أماكن، كان أكبر هذه الأماكن هنجر كبير، اعتقل بداخله ما بين 450 إلى 500 مهاجر، بما فيهم اللاجئين ممن يحملون بطائق لجوء من مفوضية اللاجئين ". 

 

وأضاف " بعد أن احتجزتهم الجماعة، عاملتهم معاملة غير إنسانية في سبيل ابتزازهم، ثم خيرت الجميع أن يدفع المعتقل مبلغ مالي يصل إلى 1000 ريال سعودي، مقابل الإفراج عنه وترحيله لمناطق سيطرة الحكومة الشرعية، أو تجنيدهم للقتال معها، وقد حاولت ترغيبهم بأنها ستساعدهم في الهجرة إلى دول الخليج والمملكة العربية السعودية ". 

 

وقال الشهود للجنة الوطنية " رفض معظم المعتقلين ذلك باستثناء 30 إلى 40 معتقلا وافقوا على التجنيد في صفوف جماعه الحوثي ".

 

جحيم الحوثيين

 

في الـ7 من مارس/آذار 2021، يوم وقوع المحرقة، أعلن غالبية المعتقلين إضرابهم عن الطعام، بعد أن اشتد ظلم الجماعة بحقهم، وفوضوا لهم متحدثًا من اللاجئين المحتجزين ليعبر عنهم، حيث ذهب للتحدث مع مسؤول الحجز ولم يعثر له على أثر بعدها

 

قال شهود عيان للجنة الوطنية "أن المسئول عن الحجز قام بتهديد المعتقلين، بعد أن دخل عليهم الهنجر محل الحجز مع عدد من الجنود، وقاموا بضرب بعضهم ". 

 

وأضافوا " قام أحد المهاجرين برمي أحد الجنود على وجهه بصحن من صحون الأكل، كردة فعل نتيجة الضرب والتهديد الذي توعدهم به مسئول الحجز، والفاض السب الذي صدر منه ضدهم بشكل عنصري ومهين ". 

 

على الفور خرج المسئول وجنوده، وأغلق الباب عليهم من الخارج بإحكام، وبعد وقت قصير من تهديده لهم تفاجأ المحتجزون وهم يشاهدون من خلال فتحات صغيرة في الهنجر، قيام جماعة الحوثي بتطويق مكان الحجز من الخارج بعشرات من المسلحين الملثمين، من شرطة مكافحة الشغب مجهزون بسياراتهم المعدة بمدافع الماء .

 

بعد لحظات أطلق مسلح على المعتقلين من فتحة في الباب قنبلة مسيله للدموع إلى داخل هنجر الحجز، وبعدها بلحظات قليلة تسلق مسلحون آخرون إلى فتحات تهوية في أعلى الهنجر من فوق الحمامات؛ وأطلقوا قنابل مسيلة للدموع وحارقه ومتفجرة إلى داخل الهنجر .

 

يقول التقرير "أدت القنابل إلى اشتعال الفرش والبطانيات والملابس، وتسببت في حريق هائل في الهنجر، نتج عنه هلاك أغلب من في الهنجر "

 

وأضاف " يقدر الناجون والشهود الذين قابلتهم اللجنة عدد الضحايا الذين لقوا حتفهم، والذين أصيبوا وتفحمت أجسادهم من الحريق في الهنجر بما يزيد عن 400 محتجز، وأن العدد القليل فقط هم من نجوا بأعجوبة، وقد بقي الحريق يلتهم الهنجر ويحرق من بداخله لفترة طويلة دون فتح الباب من قبل جماعة الحوثي، حتى لا يتمكن المحتجزون من الخروج بعد أن تدافعوا نحو الباب محاولين النجاة بجلودهم

 

بحسب ما ذكر الضحية "ف.ع.ع.أ" للجنة الوطنية "أنه تمكن من الخروج عندما قامت جماعه الحوثي بعد نشوب الحريق بوقت طويل بهدم جدار الهنجر بالجرافات، ليستغل هو ومن نجى معه من زملائه - الذين لم يصلوا إلى مرحلة الإغماء - انشغال مسلحي الحوثي الذين كانوا يطوقون مكان الحجز منشغلين بملاحقة المواطنين الذين تجمعوا حول مكان الواقعة، ليقوم مع زملائه بكسر أبواب أماكن الحجز القريبة من الهنجر المحترق، حتى لا يطال الحريق أماكن حجزهم "

 

وأضاف الشاهد" وصلت فيما بعد تعزيزات جديدة قامت بإحكام تطويق المكان، وعند مشاهدتهم المحتجزين في الأماكن الأخرى يهربون من أماكن حجزهم، قاموا بإطلاق النار عليهم، وإصابة عدد منهم لمنعهم من الهرب "

 

وبحسب اللجنة الوطنية "أن الناجون وشهود العيان الذين استمعت اللجنة لأقوالهم، أكدوا أن جماعة الحوثي منعت المواطنين الذين تجمعوا، من تقديم أي مساعده للمعتقلين الذين يحترق بهم الهنجر، ومنعت الناجين والمحتجزين في العنابر الأخرى من الهروب "

 

إخفاء معالم الجريمة

 

يشير تقرير اللجنة الوطنية الى أن " جماعة الحوثي قامت بعدها بتحميل من بقي من المحتجزين على متن ناقلات كبيرة، ورحلتهم إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية في المحافظات الجنوبية "

 

وقال " في الوقت ذاته سعت جماعة الحوثي لمحو آثار الجريمة من خلال هدم جدران الهنجر بالجرافات، وجرفت الجثث المتفحمة وأخفتها حتى لا يعرف أحد العدد الحقيقي للضحايا، بعد ان منعت أقارب الضحايا المتواجدين في صنعاء من مشاهدتها أو الحضور إلى مكان الواقعة، أو أخذ موافقتهم على دفن جثث أقاربهم ". 

 

وأضاف "قامت جماعة الحوثي بنقل المصابين الذين تعرضوا لإصابات خطيرة إلى المستشفيات، وفق إجراءات أمنية مشددة، لتقوم بعد عدة أيام بترحيلهم إلى مناطق سيطرة الشرعية في المحافظات الجنوبية، وكانت حالة البعض منهم سيئة للغاية ". 

 

بيان الخوف

 

بعد أن شهدت اليمن محرقة إنسانية بحق أناس ضعفاء هربوا اليها خشية الموت والفقر، ذهبت جماعة الحوثي في الـ10 من مارس/آذار، بعد المحرقة بثلاثة أيام للضغط على الجاليات الأثيوبية، الصومالية، الأريتيرية والسودانية، لتصدر بيانا مشتركًا، يذكرن فيه أن ما حدث كان حادثًا عرضيًا ليس الا .

 

ذكر بيان الجاليات أن عدد الضحايا 43 وفاة، و200 جريح، إلا أن الضحايا الناجين والشهود الذين قابلتهم اللجنة الوطنية، أكدوا أن الجاليات أصدرت ذلك البيان بضغط من جماعة الحوثي، وأن الحادثة عمدية من جماعة الحوثي، وأن عدد الوفيات يزيد عن 400 حالة وفاة .

 

فيما قال تقرير اللجنة الوطنية "أن اللجنة لم تتمكن من الحصول على جميع أسماء الضحايا، إلا أنها قد حصلت على أسماء بعضهم وتحتفظ بأسمائهم في ملف القضية، ولا زالت تتحري وتجمع معلومات وبيانات والضحايا

 

ونقل التقرير "أن الضحايا الناجون يعزون السبب وراء عدم معرفتهم بأسماء كامل الضحايا، إلى أن معظمهم ينتمون إلى مناطق مختلفة، في أثيوبيا ودول أفريقية أخرى، ولا يملك أغلبهم بطائق لإثبات الهوية ". 

 

وأشار الى أن "عدد من الناجين الذين استمعت إليهم اللجنة، أكدوا أن الجرحى أو من لقوا حتفهم في الواقعة وشاهدوهم داخل هنجر الاعتقال، كانوا أكثر المعتقلين، وأن الناجين قلة فقط ". 

 

نتيجة التحقيق

 

كشفت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، ثبوت وقوع الانتهاك بحق المعتقلين من المهاجرين الأفارقة، مؤكدةً أن جماعة الحوثي هي المسؤولة عن الجريمة، حيث قامت بإلقاء القنابل على المعتقلين، وأغلقت الأبواب عليهم، ومنعت تقديم أي مساعدة لإنقاذهم

 

تقول اللجنة الوطنية بتقريرها الدوري التاسع" من خلال تحقيقات اللجنة في الواقعة، وما تضمنه ملف القضية، من أدلة وتقارير وصور ومقاطع فيديو، وما ورد في إفادات الناجين والشهود الذي تم الاستماع إليهم من قبل اللجنة، تبين ثبوت وقوع الانتهاك بحق المعتقلين من المهاجرين الأفارقة، ومعظمهم من الجنسية الاثيوبية، وأن المسئول عن ارتكابها هي جماعة الحوثي، التي قامت بإلقاء القنابل الدخانية والحارقة على المعتقلين؛ وإغلاق الأبواب عليهم بإحكام، ومنع تقديم أي مساعدة عاجلة لإنقاذهم ". 

 

على هذا النحو تكشفت الحقائق لتفضح خبث جماعة دموية قتلت ضيوف اليمن بدم بارد، لترسم بدمائهم صورة مشوهة عن اليمن واليمنيين .