الرئيسية   استطلاعات

"تلب يافع" أقوام من نسل حمير يقاطعون التكنولوجيا ويعيشون عصور ما قبل التاريخ

الخميس 28 أكتوبر-تشرين الأول 2010 الساعة 03 صباحاً / استطلاع وتصوير أنيس منصور

على بعد 655كم تقريباً من مدينة الحوطة بمحافظة لحج وبمسافة سبع ساعات معظمها في طرق وعرة وصعبة يقع أبناء وأحفاد "تلب بن حسن الحميري" أحد ملوك حمير وعددهم بالمئات يقطنون في منطقة تلب يافع ـ لبعوس تصل إليهم عبر طريق وعرة وتسير فيها سيارات ذات الدفع المرتفع وتبدأ طريق وادي تُلَّب من مفرق قلعة المحجبة التاريخية، حيث تتجه بك الطريق شرقاً وتسير السيارة بسرعة السلحفاة ويصاب الراكب بالغثيان من شدة وعورة الطريق تتدحرج الإطارات في طريق وادي ذي ناخب في ممر السيول والأمطار.

تلب الحميرية
وتعد منطقة تُلَّب إحدى المناطق الشهيرة في بلاد قبيلة يافع الحميرية تقع في الجهة الشرقية لمديرية لبعوس يافع محافظة لحج وتتبع مكتب اليزيدي اليافعي في التقسيم القبلي.
قرية يافعية حميرية جميلة تكسوها الخضرة وتحيط بها المدرجات الزراعية من كافة الجهات، وتتدفق عليها السيول في مواسم الأمطار، ويتميز أبناء تُلَّب بالطيبة والبراءة والكرم، وهي شيمهم ويندهش الزائر عند مقابلة أبناء تُلَّب من تلك التجاعيد على رؤوسهم ويسيرون حفاة الأقدام، صحيح أنهم في القرن الواحد والعشرين لكنهم يعيشون القرون الوسطى في هذه المنطقة المعزولة عن العالم تماما.
 هؤلاء القوم حفاة عراة يعيشون حياة القرون الوسطى يحتفظون باللغة الحميرية معزولين عن العالم لا يتعلمون.. ويمنعون أولادهم من التعليم، يتزوجون بينهم البين والمهر حفظ سورة من صغار السور القرآنية، يرفضون الاختلاط بالمجتمع ومواكبة التطورات غير مقيدين في جداول الانتخابات، بل يقاطعون الانتخابات ولم تصل لهم لجان التعداد السكاني ولا ينتمون لأي توجه أوفئة أو حزب سياسي يقولون: إنهم غير راضين عن السلطة التي لم تعدل بين الناس وهم ضد الحوثي والقاعدة والحراك والمشترك وحاولت جماعات سلفية وطرق صوفية وقيادات محلية من تجمع الإصلاح استقطابهم لكنهم رفضوا وأحسن شيء عندهم القبيلة
ويعملون في الزراعة ورعي الأغنام وتربية النحل.
وبحسب الشيخ خضر الحميري فإن في عزلة تُلَّب 20 ألف شجرة بن، وتعتمد الزراعة بالدرجة الأولى على مياه الأمطار ومن خلال السيول الآتية والمتدفقة من جبل اليزيدي - هربة -
جبل ذي كباب - صوان، وهي أسماء لجبال وشعاب تجرف للمزارعين كميات من
المياه الغزيرة في موسم الأمطار.
لاخصومات ولامنازعات
 هؤلاء القوم لا توجد لديهم أي خصومات ومنازعات لكنهم يحملون السلاح ويتأبطون أحزمة مليئة بالرصاص ويمتلكون أسلحة تراثية قديمة وجنابي من النوع المرصع بالذهب والفضة ولايمكن لهم مفارقة السلاح حتى وقت النوم كما أنهم يتعاطون القات أحيانا،
ولديهم طبائع وتصرفات لايمكن البوح بها يسمونها خصوصيات وخاصة الخاصة
وبينهم ترابط أسري ويخفون نسائهم ويمنعونهن من الخروج إلا في حالات
اضطرارية كما يقولون ولا يشاهدون "التلفزيون" حتى البث حق الشبكات
النقالة فمناطقهم خارج التغطية ولن تستطيع التواصل بالتلفون إلا بعد خروجك بمسافة ساعة ونصف من منطقة تلب التي تجمع أيضا مسنيات صغيرة لقرى
في عزلة تُلَّب وهي: (نبب - دار الصلابة - القرية - ذراع المعلامة -
ضرمئة - الدقة - أسفل هربة - أسفل تُلَّب - القرن - دور الصلابة وبين
العطوف وهو ملم لتُلَّب )
مشاهد غريبة ومذهلة
 وقد رأينا أطفالاً وأناساً يعيشون في الألفية الثالثة، لكن بمظاهر وحياة عصور ما قبل
الميلاد..أطفال حفاة الأقدام ،لا ينتعلون الأحذية، وبرؤوس تغطيها تجاعيد
الشعر الطويل غير المصففة، ولغة لسان خطابهم يقول:«ع النية»فلا يزيدون
على ذلك إلا بإذن زعيمهم أو رئيسهم الذي يمنحهم الإذن بالكلام أو
بالحديث مع أي شخص غريب أتى إليهم-وبالطبع يمنحهم زعيمهم الإذن ليس
باللغة المتعارف عليها بيننا،وإنما يمنحهم الإذن بلغتهم الحميرية
المتعارف عليها فيما بينهم-حيث يرسل لهم إشارة بعينه أو بتقاسيم وجهه
فقط، والأخيرة هي السائدة بين حميريي «تُلُّب»،وقدحاولنا الانفراد بأي شخص
منهم للحديث ،لكنهم رفضوا التحدث إلينا عدا كلمة واحدة «ع النية» وهي
تعني كل واحد يمضي في سبيل حاله وعلى نيته وضل شيخ المنطقة ـ صالح محسن
الحميري هو المتحدث بكل شي وإن كان من حديث لشخص آخر فيكون بإذن الشيخ
هناك في تلب وفي «تبوب» وجدنا أطفالاً يحملون السلاح ويستعرضون بأجسامهم
وجدنا أسماء مميزة كالطفل "دهشل علوي"، وتبع، وذي نواس، وشمريهرعش، وذي
القرن، وغيرهم من الأطفال الذين يفتخرون بأسمائهم وأشكالهم الحميرية
وهم محرمون من التعليم والعلم هكذا يتوارثون الشكل والعادة جيلاً بعد جيل
ويشير مدير مديرية لبعوس يافع ـ سامي العياشي أن هؤلاء القوم سيكونون في
اهتمامات الدولة في الطرق وبقية الخدمات وأنهم هكذا يعيشون ومعروفين بين
المجتمع اليافعي ولا يشكلون أي خطر سياسي ويمكن لأي باحث أن يدرس
حالتهم ليتأكد أن حمل السلاح في يافع أصبح عادة معروفة من زمان ويعتبر
أبناء يافع حمل السلاح جزءاً من شخصية الإنسان كبقية المناطق الريفية
ورغم حمل السلاح فلا توجد أي جرائم أوإشكاليات في المنطقة التي تنعم
باستقرار وهدوء ولقد تم إنتزاع هذه المعلومات والصور التعبيرية عن حياة المئات من أهالي تلب يافع بصعوبة بالغة وبمشقة وتعب.
* العلاج من الطبيعة
تتواصل حلقات الغصص والمشاهد الاستغرابية لأبناء تلب يافع في الشريط الجبلي ومن هذه الوقفات كان عبارة عن سؤال وجواب كيف يتعالج هؤلاء الناس؟ وهل وصلت إليهم الخدمات الصحية؟؟ كانت إجاباتهم واحدة مفادها أنهم يعالجون بالأشجار يربطون جروحهم بقطع من الثياب البالية لتوقيف نزيف الدم، يتعاطون العلاج من الطبيعة.بالرقى الشرعية والعسل والكي بالنار فهناك وصفة علاجية لبعض المرضى بامتصاص ورق الشجر وأحياناً بتقطير المياه
المخزونة في الجذوع والسيقان والأطراف وأحياناً عن طريق دق وطحن الأوراق اليابسة وخلطها مع كمية من الماء وطلاء الجسم ومواضع الألم بهذا الخليط.. فلكل مرض نوع من الشجر النابت في الجبال وأشجار صغيرة تقيهم من سموم الثعابين والعقارب وأشجار لحالات الصداع ونزيف الدم. وهكذا تستمر حياتهم في مسلسل طويل وحلقات ومواقف وتصرفات عجيبة.. ولله في خلقه شؤون..

* الزاهي والباهي والناهي
وفي جبال تلب اليافعية تقابلك ستة قصور قديمة تتراوح عدد طوابقها ما بين تسعة إلى عشرة طوابق بنيت بالنمط المعماري اليافعي فوق صخرجبلي، وتشكل مصفوفة متوازيه تم بناءها على فترات متفاوتة قبل أكثر من ثلاثة قرون... شكلت في مجملها مقطوعة أو معزوفة موسيقية،وخاصة في أسمائها التي أطلق على كل واحد منها–حيث سميت على هذا النحو: «الزاهي، الباهي،الناهي، الناهي ناهي، بيت علي الواهي، مصب النشاحي»، وإذا ما تساءل المرء عن مدلولات ذلك لوجدها في معانيها، فأسماء الأربعة الأولى-الزاهي:زاهي في
المكان،والباهي منور ومضيء الوادي أو سائلة تلب،والناهي فهو الآمر والناهي في المكان،وأما الآخران فقد ارتبطت تسميتهما بصاحبيهما..
 
* كل شي عجيب في تلب يافع
في منطقة وقبيلة تُلُّب الحميرية وبيوتها المعلقة في عرض جبل اليزيدي- يجد الزائر كل شيء فيها عجيباً وغريباً علينا نقابله لأول مرة في حياتنا .. لكننا قرأناه في كتب التاريخ والخط المسند الحميري القديم المكتشف من قبل خبراء وعلماء الآثار.. هناك في تُلُّب، وتبوب وغيرهما..كلها مناطق ما تزال تحمل أسماء حميرية - وجدت حياة المواطن والإنسان الحميري الأول شكلاً ومضموناً..وجدنا بشراً وأناساً نعتقد أنهم يعيشون معنا في القرن الواحد والعشرين،لكنهم في الحقيقة يعيشون حياة عصور ما قبل التاريخ- العصور الحميرية والسبئية..زمان تبع وذو ريدان وغيرهما من صناع الحضارة والتاريخ اليمني القديم..
 
أطفال تركوا التعليم وامتطوا السلاح
مئات من الأطفال بين السن السابعة والحادي عشر من أحفاد وأولاد الحميريين تركوا الفصول الدراسية خالية وحملوا الأسلحة الحربية "آلة الحرب" يرفعون فوهة السلاح بديلاً عن الأقلام ويرتدون الدروع بدلاً عن الزي المدرسي ويحملون الرماح بدلاً عن الدفاتر والكتب، يمتشقون السيوف والرماح والبنادق،ولا يتحدثون إلا بلغة الباروت والنار ..هناك ما تزال
الآلة القديمة للحرب موجودة عند حميريي تلب إلى اليوم-حيث وجدنا هناك الرمح،والنبال، والبندق العربي القديم وغيرها من أسلحة المعركة..

 البرج المائل
والملفت للنظر والانتباه والتفكير هي تلك الحصون والقصور القديمة والعريقة بعراقة تاريخ يافع -فضلا عن تاريخها القديم والحقبة الزمنية التي بنيت فيها وظروف بنائها- حتى الأسماء والمسميات فلها حكمة وإثارة للانتباه،ففي طريقنا إلى تلب وجدنا قصرين عمرهما يزيد عن خمسة قرون-حسب الروايات- وحسب حديث زميلنا عادل المدوري وقد بنيا على تلة جبلية في
سائلة الوادي وأطلق عليهما الشابح والمشبح، ولماذا سُميا بذلك ؟! قالوا لأنهما شبحا الوادي-وادي اليزيدي-وشبح أي معتدي من الناخبي على اليزيدي، ولأنه حد بينهما، ثم حصن «المجبأ»والذي اختلفت رواية الأهالي حول تاريخه إلى روايتين الأولى تقول: إن تاريخ بنائه يعود إلى دولة الامام القاسم الذي توحد اليمن في عهده للمرة الثانية، بينما كانت الاولى في عهد الملك الحميري أسعد الكامل، والوحدة الثالثة هي الحالية.وأما الرواية الثانية تقول: انه يعود إلى ما قبل«375سنة» تقريباً، ويقال أنه كان في الماضي-في عهد الدولة القاسمية منفذ جمركي، ثم بعد ذلك في عهد السلطنة العفيفية وسلطنة بن هرهرة يافع- وهو عبارة عن بناء مربع يشبه في شكله بناء البرج، وارتفاعه يصل إلى نحو ثلاثين متراً.. لكن المثير فيه حالة الميلان والذي جعله شبيه بميلان «برج بيزا» في ايطاليا، بل أن السكان يتناقلون عن آبائهم وأجدادهم- أن هذا الميلان مضي عليه أكثر من «180سنة، أنها منطقة تلب التي يفوح منها عبق التاريخ ولوحة بديعة معلقة في جبل اليزيدي ومتحف حي للإنسان اليافعي الحميري فيها تتجسد أساليب الحياة القديمة والأصيلة ونمط العيش الفريد والعادات والتقاليد والأعراف القبلية العربية والشواهد الحية على تاريخ سر وحمير وحضارته القديمة..

الاتصالات خارج نطاق التغطية

انتابتنا حالة خوف و تحولت التلفونات الخلوية إلى قطعة لاتسمن ولا تغني ولا تتصل ففي ظل ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات والإعلانات بتغطية جميع مناطق البلاد مازالت تلب خارج التغطية ويوجد في وجدنا هاتف واحد بيد الشيخ ويتصل ويستقبل المكالمات من على موقع محدد لا يتعدى مترفي متر ويمكن لمن يريد الاتصال الخروج من تلب بمسافة ساعتين ونصف تقريباً بالسيارة..

فنون وشعر
تزخر (عزلة تُلَّب) بالفنون الشعبية والأدب الشعبي مثلها مثل بقية مديريات قبيلة يافع الموزعة بين أبين ولحج وإن كان لكل منطقة ما يميزها في اختلاف بسيط في العادات والتقاليد من منطقة إلى أخرى، فإن مناطق قبيلة يافع عموما شهرتها بإجماع كل المعنيين بالفن والأدب. وتعددت مظاهر الفن الشعبي بين الأغنية والرقصة والحكاية والأسطورة والقصيدة وما إلى ذلك،
كله تشكل مادة (المأثورات الشعبية) أو (علم الفلكلور الشعبي). ولن ننسى الانطباع الجميل الذي يتركه الشعراء الشعبيين، وهم: (عبدالله حسن الحميري - وزير عبدا للاه الحميري - محمد محسن بن سالم معوضة - سالم صالح بن سعيد عامر - ناصر محمد بن سالم معوضة – عبد الوهاب محمد بن سالم معوظة - العامري محمد محسن أبوعادل) وهناك قافلة من الشعراء السابقين الذين رحلوا عن هذه الديار، وهم: (عبد الرب صالح بن سالم معوضة - حميد عبد الكريم عاطف - عمر عبد الله الصريمي - حنش بن عاطف - صالح ناصر بن عاطف وأعمالهم البعض منها ضائعة للأسف الشديد والبعض الآخر محفوظة في ذاكرة بعض المواطنين.
وقد حصلنا على أبيات لشاعر متوفى من ذاكرة أحد المواطنين، وهي للشاعر
حميد عبدالكريم عاطف - رحمه الله - منها:
ليت البحر يرجع مرق
والصحاري الوسيعة عصيد
كانوا يشبعون السرق
ذي شلوا مرتب حميد