الرئيسية   تحليلات

الصدام المتجدد بين حماس وفتح.. كيف ولماذا؟

الخميس 27 إبريل-نيسان 2017 الساعة 08 صباحاً / ساري عرابي
في 11 أبريل/نيسان الجاري، صرّح الرئيس الفلسطيني محمود عباس -في مؤتمر سفراء فلسطين الذي عُقد بالمنامة في البحرين- بأنّ السلطة الفلسطينية بصدد "اتخاذ خطوات حاسمة" خلال "الأيام القليلة القادمة" لمواجهة "الوضع الخطير" الذي أوجدته حركة حماس في غزّة. كان الرئيس عبّاس بذلك يحسم الجدل بشأن الإجراءات المالية التي فرضتها السلطة على رواتب موظفيها من قطاع غزّة حصرا.
خطوة إلى الخلف
بدأ التصعيد الأخير الذي افتتحته السلطة الفلسطينية في رام الله بفرض خصم كبير على رواتب موظفي السلطة من قطاع غزّة، وبينما تذرّعت الحكومة الفلسطينية بأزمتها المالية بدا الأمر غير مقنع لاستناده إلى معيار مناطقي غير متّبع عادة في الإجراءات التقشفية، في حين كان الاتحاد الأوروبي أعلن -مطلع هذا العام- أنه سيتوقف عن تمويل موظفي السلطة من قطاع غزّة.
الموظفون الذي تعرّضوا لهذا الإجراء -ويُعدّون بعشرات الآلاف- هم أولئك الذي استجابوا لتعليمات السلطة الفلسطينية وامتنعوا عن العمل بعد سيطرة حماس على قطاع غزةفي يونيو/حزيران 2007، وقد اتجهت حماس في حينه لملء الفراغ بتعيين كادر وظيفي موالٍ لها.

وبهذا صار في قطاع غزّة جهازان وظيفيان، أحدهما موالٍ للسلطة مستنكفٌ عن العمل ويتقاضى راتبه من السلطة في رام الله، والآخر موالٍ لحماس ويتقاضى راتبه منها مقابل قيامه بمهامه الوظيفية.
أخذت حماس تعاني بالتدريج في قدرتها على الإيفاء بالتزامها تجاه جهازها الوظيفي منذ خروج قيادتها من سوريا وانقطاع الدعم الإيراني عنها، ثم من بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي وتشديده الحصار على غزّة، مما صعّب عليها إدخال الأموال إلى القطاع.
وفي حين يمسّ إجراء السلطة الأخير الموظفين الموالين لها، وربّما يخدم -على نحو ما- محمد دحلان خصم الرئيس عبّاس، إلا أنه يقلّص الأموال الداخلة إلى غزّة، ويساعد على تقويض اقتصادها الهشّ أصلاً، ويفاقم مشكلات حماس في إدارتها للقطاع، وقد يضعها في مواجهة السكان المتضررين من الحصار المتفاقم.
في 8 أبريل/نيسان الجاري اجتمعت اللجنة المركزية لحركة فتح، وأصدرت بيانًا هاجمت فيه "القرارات والخطوات التي اتخذتها حركة حماس أخيرا"، وأعلنت تشكيل لجنة للحوار مع حركة حماس "للتوصل إلى تصورات واضحة وحلول نهائية في هذا المجال بشكل سريع وبما لا يتجاوز يوم 25 من الشهر الجاري".
بيان مركزية "فتح" كان الخطوة الأولى في الكشف عن الدوافع الفعلية لإجراءات السلطة تجاه موظفيها في قطاع غزّة، التي لم تكن إلا جزءا من عملية تحول تجاه قطاع غزّة تصوغها قيادة (السلطة/ فتح).
تأكد ذلك بعدد من التصريحات التي تحدثت عن إجراءات قاسية وغير مسبوقة لإنهاء "الوضع الخاطئ" في غزة، كان منها خطاب قاضي القضاة الشرعيين محمود الهبّاش الذي عدّ حكم حماس لغزّة كمسجد الضرار الذي حرّقه النبي (ص)، بيد أن تصريحات الرئيس عبّاس هي الأهم بهذا الخصوص.
ما تسرّب لاحقا وتداولته أوساط مطّلعة، يتحدث في حدّه الأدنى عن منع التعاملات البنكية مع قطاع غزّة، وتوقف السلطة عن القيام بالتزاماتها تجاه الكهرباء والماء والصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية في القطاع، وإحالة موظفيها فيه إلى التقاعد المبكر، بينما في الحدّ الأعلى تتحدث التسريبات عن إعلان القطاع إقليما متمردا، وحركة حماس حركة إرهابية أو خارجة على القانون.
في المقابل؛ استنكرت حماس التهديدات، وحاولت الردّ عليها شعبيّا بعدد من الفعاليات، وسياسيّا بالاجتماع بالفصائل الفلسطينية، وإعلان موافقتها على انتخابات عامّة تشمل المجلس التشريعي والوطني والرئاسة تعقد بعد ثلاثة أشهر، وبأن اللجنة الإدارية العليا -التي اتخذتها قيادة السلطة ذريعة لإجراءاتها- ستكون منعدمة بمجرد أن تقوم حكومة الوفاق الوطني بواجباتها تجاه القطاع.
في التحول الراهن
لا تزال الدوافع الحقيقية لهذا التحول في علاقة السلطة الفلسطينية بقطاع غزّة مجهولة، والمؤكد أن "اللجنة الإدارية العليا" -التي شكّلتها حركة حماس للإشراف على الوزارات في القطاع- لم تكن الدافع الحقيقي لهذه الإجراءات، وإن كانت ذريعة مفيدة لقيادة السلطة يمكن استثمارها في الدعاية السياسية وتبرير الإجراءات.
ظلّت التحليلات تتراوح بين أن يكون هذا التحول جزءا من مخطط إقليمي وبين أن يكون فكرة خاصّة بقيادة السلطة، والفارق المهم بين الاحتمالين هو أن هذه الإجراءات لن تكون بالنجاعة المتخيلة في حال لم تحظ بغطاء إقليمي ودولي، ولكنها ستكون بالغة الخطورة في حال حظيت بذلك الغطاء.

في الأشهر الخمسة الماضية تمكن الرئيس عبّاس من إنجاز مؤتمر حركة فتح السابع، وإقصاء غريمه محمد دحلان وإن مؤقتا، وتجاوز الضغوط العربية التي أرادت منه تبني مبادرة سياسية جديدة للتسوية مع "إسرائيل" في مؤتمر القمّة الأخير الذي عُقد بالأردن، ثم أخذ يستعد للقاء الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب كما هو مقرر في 3 مايو/أيار القادم.
يبدو ذلك نجاحا في مواجهة المخاطر المتمثلة في محمد دحلان وداعميه الإقليميين، كما أن إدارة ترمب تعيد صياغة رؤيتها للقضية الفلسطينية بما يعود بها إلى القواعد الأميركية التقليدية في مقاربة هذه القضية، ويعني ذلك -بالنسبة لقيادة السلطة- فرصة جديدة ينبغي التقاطها لتكريس نجاحاتها في مواجهة تلك المخاطر.
بيد أن الإدارة الأميركية وبموازاة عودتها إلى السياسات الأميركية التقليدية بخصوص القضية الفلسطينية، تتبنى سياسة إقليمية جديدة تقوم على تأسيس محور إقليمي متعاون مع "إسرائيل" يستهدف إيران و"الإرهاب"، وتجعل هذا التعاون مقدّما أو موازيا لخطط حل القضية الفلسطينية التقليدية، ويتطلب ذلك من السلطة ثمنا لا بدّ من دفعه.
يمكن الحديث هنا عن عدد من الاحتمالات بخصوص اندراج إجراءات السلطة في هذا السياق وتزامنها مع الزيارة المرتقبة للولايات المتحدة، فإمّا أن يكون ضرب حركة حماس وإقصاؤها عن إدارة قطاع غزّة قد صار مطلبا إقليميّا ودوليّا في إطار المقاربة الأميركية الجديدة، أو لدفع حماس نحو حل منفرد بقطاع غزّة يذكّر بمقترح دولة "غزّة + أجزاء من سيناء".
أو أن يكون استهداف حماس هو المساهمة الممكنة من طرف السلطة وبما يقطع الطريق على محمد دحلان، وبهذا تُعزّز قيادة السلطة مكانتها إقليميّا ودوليّا، وتحدّ من ممكنات ابتزازها بدحلان، خاصّة أن هذا الأخير لم يزل يتمتع بدعم وحماية إقليميين، وبدعم أوساط في النخبة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بالإضافة لامتلاكه المال والإعلام والرجال، مما يجعله خطرا قائما باستمرار.
نظريّا تهاجم قيادة السلطة باستمرار ما تقول إنها مخططات وممارسات تهدف إلى عزل قطاع غزّة عن الضفة الغربية، ولكن في حال لم تتمكن إجراءاتها التي تلوّح بها من إسقاط حماس أو إخضاعها، فإنها قد تدفع فعلا القطاع للانعزال بحلول منفردة تبحث عن فك الحصار المفروض عليه، إلا إذا كانت تريد في النهاية التخلص من نفوذ دحلان المتركّز أساسا في قطاع غزة.
الاحتمالات والمسارات
بالنسبة لدحلان وتياره فإنه -حتى اللحظة- لم يتخذ موقفا حادّا من تهديدات قيادة السلطة لقطاع غزّة. ويمكن احتساب ذلك مؤشرا على أن إجراءات هذه القيادة تندرج في رؤية إقليمية ودولية، ولكن في المقابل ثمة اعتقاد لدى بعض النخب السياسية بأن الإدارة الأميركية الحالية غير معنية برفع منسوب التوتر في المنطقة.
ومن شأن الإجراءات التي تهدد بها السلطة أن تدفع حماس لافتعال مواجهة مع "إسرائيل" لا تريدها الأخيرة في الوقت الحالي، كما لا تريدها الإدارة الأميركية.

بمعنى أن الغموض يلفّ الدوافع الفعلية للإجراءات التي تهدّد بها قيادة السلطة، وهي إجراءات لا تحظى لا بالغطاء الوطني، ولا بموقف "فتحاوي" داخلي كافٍ، كما أنها -بالرغم من الأزمات العميقة التي يمكن أن تسبّبها لحماس- قد تأتي بمفاعيل عكسية -في حال استطاعت حماس احتواء تلك الإجراءات أو الصمود في وجهها- في غير صالح قيادة السلطة، وقد تضع الحبّ في طاحونة حماس أو طاحونة دحلان من جديد.
أما بخصوص الإجراءات؛ فإنها -كما سلف- في حدّها الأدنى تقوم على تقليص الأموال الداخلة إلى قطاع غزّة وزيادة المشكلات الحياتية فيه ولا سيما مشكلة الكهرباء، لكنها قد تُسنَد بإعلان قطاع غزّة إقليما متمردا، أو بإعلان حركة حماس حركة إرهابية أو خارجة على القانون.
وبصرف النظر عن الإعلان الذي يمكن أن يصحب هذه الإجراءات فإن الوصف الذي ينطبق عليها في كل الأحوال هو العقاب الجماعي، وهو الوصف الذي ينطبق كذلك على عدّها إقليما متمردا، وإذا كان يمكن للسلطة أن تنفذ منفردة الإجراءات في حدّها الأدنى، فإن تنفيذها في إطار إعلان غزّة إقليما متمردا يتطلب إسنادا دوليّا وإقليميّا، مما يعني اللجوء إلى أطراف خارجية لتسوية صراع داخلي.
أما إعلان حماس حركةً خارجة على القانون أو حركة إرهابية فيعني -في لحظة "الحرب على الإرهاب" الدولية- ملاحقة الحركة خارج قطاع غزّة، ويستدعي ذلك السعي لدى دول الإقليم والعالم لملاحقة الحركة بالاعتقال والنفي ومصادرة الأموال، وكذلك ملاحقة عناصر الحركة في الضفة الغربية بما يفوق ما حصل عقب الانقسام (عام 2007).
في حال كانت الإجراءات فلسطينية صرفة ولا تنهض على خطة إقليمية أو دولية، فإنّها لن تتمكن من تجاوز حدّها الأدنى، ولكن ثمة عوامل أخرى ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، وهي تحالفات حماس الإقليمية التي من الممكن أن تسعى لكبح هذه الإجراءات. وكذلك سلوك حماس نفسها.
وفد مركزية "فتح" الذي كان مقررا أن يلتقي قيادة حماس في غزّة، اكتفى بتسليم حركة حماس رسالة تتضمن مطالب "فتح" التي قيل إنها تطالب حماس بتسليم قطاع غزّة إلى حكومة الوفاق الوطني، والموافقة على المبادرة التي قدمتها قطر مطلع العام الجري أثناء انعقاد اللقاءات التحضيرية للمجلس الوطني في بيروت.
تفاصيل مطالب "فتح" لم تتضح بعدُ، وثمة شائعات تقول إنها تتجاوز المعلن إلى مطالبة حماس بالتخلي عن سلاحها وعن استعداداتها الأمنية التي راكمتها طوال السنوات الماضية، وهو طلب مستحيل لا يعني -إن صح- إلا أن السلطة غير معنية بالتفاهم مع حماس.
لا سيما أن الأخيرة أعلنت مسبقا أنها هي التي وافقت على المبادرة القطرية، وأنها على استعداد لانتخابات شاملة في ظرف ثلاثة أشهر، ولتمكين حكومة الوفاق الوطني من إدارة القطاع، وبالتالي حلّ اللجنة الإدارية العليا تلقائيّا.
تنتظر حركة فتح الآن ردّ حماس، وكما هو معلن فإن مهلة "فتح" لحماس تنتهي في 25 من الشهر الجاري، وهناك تسريبات تتحدث عن استعداد الرئيس الفلسطيني لإلقاء خطاب مهم في الأيام القليلة القادمة، وأيّا كان الأمر فثمة فرصة أمام الطرفين للمناورة تتيح لكل منهما النزول عن الشجرة، بما يجنب الشعب الفلسطيني مزيدا من الآلام، ويجنب القضية الفلسطينية مزيدا من المخاطر.