الرئيسية   تحقيقات

"خارطة الحديدة".. هل هو الاختبار الأخير لـ"ولد الشيخ"؟!

الجمعة 04 أغسطس-آب 2017 الساعة 03 مساءً / ملف رصده/ قسم التحقيقات
مجدداً يسعى المبعوث الأممي إلى اليمن/ إسماعيل ولد الشيخ أحمد، من خلال جولة جديدة إلى إحياء عملية السلام اليمنية وإنعاش مشاوراتها وتنشيطها، في ظل تصاعد الجهود الدولية المبذولة لإعادة الأطراف اليمنية إلى طاولة المفاوضات.
جولة ولد الشيخ هذه تزامنت مع تصعيد عسكري كبير تشهده جبهات القتال داخل الأراضي اليمنية، وعاد على نحو مثير للجدل إلى واجهة التطورات في اليمن، والتي اختارت فيها جماعة الحوثي وحلفاؤها وجهتهم براً إلى الحدود السعودية وبحراً باتجاه البحر الأحمر.
غير أن هذا التصعيد العسكري من قبل جماعة الحوثيون ضد السعودية والتحالف صاروخياً وبراً وبحراً، وعلى نحو مفاجئ، تحول إلى مبادرة مثيرة، تدعو الرياض إلى هدنة، في تطور يثير تساؤلات عدة عما إذا كان ذلك سيعود بالأزمة اليمنية إلى مفاوضات جديدة..

مساعي إنعاش السلام
أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، عن اجتماعات سيجريها في الأسبوعين الجاري والمقبل، بهدف تفعيل عملية السلام، في ظل تصاعد الجهود الدولية الرامية إلى إعادة الأطراف اليمنية إلى طاولة المفاوضات.
وأوضح ولد الشيخ في تصريح مقتضب أمس الأربعاء، على صفحته الشخصية بموقع "تويتر" أن الاجتماعات التي يعقدها تهدف لتنشيط عملية السلام ووضع حد للحالة المأساوية في اليمن. 
وأكد المبعوث الأممي، خلال لقاء عقده أمس مع وزير الشؤون الخارجية العُماني، يوسف بن علوي، في مسقط، على "الحاجة إلى إنهاء الحرب في اليمن في أقرب وقت ممكن". 
ووصف ولد الشيخ اجتماعه مع بن علوي بـ"الإيجابي"، مشيراً إلى أن الأخير جدّد دعم بلاده لجهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة.
وجاءت تصريحات ولد الشيخ في ظل تصاعد الجهود الدولية المبذولة لإعادة الأطراف اليمنية إلى طاولة المفاوضات، إذ دعا السفير الأميركي في اليمن، ماثيو تولر، في تصريحات صحافية منذ أيام، للعودة إلى المفاوضات، وأكد دعم بلاده القوي للمقترحات التي يحملها المبعوث الأممي. 
وكان ولد الشيخ قد أعلن في وقت سابق، أنه يحمل مقترحات وأفكاراً تتعلق بتسوية في "ميناء الحديدة" غربي البلاد، والذي يسيطر عليه مسلحو جماعة الحوثيين، بما من شأنه الرقابة على الميناء ومنع استهدافه بالعمليات العسكرية للتحالف، فيما أعلن الحوثيون وحلفاؤهم رفضهم المقترحات الأممية.
وقد تكون الجولة الأخيرة هي الاختبار الأخير للمبعوث الأممي، الذي من المقرر أن تنتهي فترة عمله في سبتمبر القادم.
ووفقا للمصادر، فمن المرجح أن يتم التمديد للمبعوث الأممي لمدة شهر إضافي، من أجل إتاحة الفرصة أمامه لإبرام الخارطة الخاصة بالحديدة، والتي يعتبرها مفتاحا هاما من أجل الانتقال لوقف شامل للعمليات القتالية، في حال وافق عليها الحوثيون.
وحسب المصادر، فما يزال هناك انقسام داخل مجلس الأمن الدولي بشأن التمديد لولد الشيخ، وأن الأمر لم يحسم بعد. ومنذ أيام، أعلن الحوثيون أن الأمم المتحدة أنهت مهمة مبعوثها الخاص لدى اليمن، لكن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، نفى ذلك بشكل رسمي.

جولة جديدة لفرض «خارطة الحديدة»
يسعى ولد الشيخ، خلال جولته الجديدة، إلى فرض خارطة الحل الخاصة بميناء الحديدة الاستراتيجي غربي البلاد، والتي تنص على انسحاب الحوثيين منه، وتسليمه لطرف ثالث محايد، مقابل وقف التحالف العربي لأي عملية عسكرية في الساحل الغربي، وكذلك الاتفاق على مسألة توريد الإيرادات وحل أزمة مرتبات الموظفين المتوقفة منذ 10 أشهر.

وكانت مصادر في الأمم المتحدة قالت إن المبعوث الأممي إلى اليمن/ إسماعيل ولد الشيخ أحمد، يبدأ الأيام القادمة، جولة جديدة في المنطقة من أجل إنعاش مشاورات السلام اليمنية، وسط تصعيد عسكري كبير تشهده جبهات القتال.
ونقلت وكالة «الأناضول» عن تلك المصادر قولها، إن المبعوث الأممي سيقوم بزيارة العاصمة السعودية الرياض، من أجل الالتقاء بالحكومة الشرعية، على أن ينتقل بعدها إلى العاصمة صنعاء، للقاء وفد الحوثيين وحزب صالح.
ويخوض المبعوث الأممي إلى اليمن/ إسماعيل ولد الشيخ، مفاوضات شاقة مع أطراف الحرب ترتكز حول مبادرة تسليم ميناء الحديدة وصرف الرواتب، وهي المبادرة التي رحبت بها الحكومة الشرعية التي تعمل من عدن، مع إبداء تحفظات على تعديلاتها، فيما رفضها تحالف جماعة المتمردين الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، ووضعوا شروطاً للقبول بها.
وأعلنت الأمم المتحدة عن مبادرة سمتها "الحديدة والرواتب"، تؤكد على ضرورة أن يتسلم طرف محايد ميناء الحديدة على البحر الأحمر الذي يعد نقطة حيوية لنقل المساعدات، وتحويل إيرادات الميناء وبقية الإيرادات من مناطق الحوثيين إلى حساب خاص بإشراف الأمم المتحدة واستخدامها لدفع رواتب موظفي الدولة.
وقال ولد الشيخ مطلع شهر يوليو المنفرط في إحاطة عن اليمن بمجلس الأمن: "إن المبادرة تشمل آلية لتحويل الإيرادات لدفع رواتب الموظفين بدلا من تمويل الحرب"، مؤكدا أهمية استعمال الإيرادات الجمركية والضريبية من ميناء الحديدة لتمويل الرواتب والخدمات الأساسية، بدل استغلالها للحرب أو للمنافع الشخصية.
وتتضمن مبادرة الحديدة والرواتب جانباً عسكرياً وآخر اقتصادياً، وتهدف إلى تفادي حصول معركة في المدينة التي تحوي ميناء اليمن الرئيس، مقابل انسحاب قوات الحوثيين وحلفائهم من المدينة وتسليم إدارتها إلى لجنة عسكرية من الطرفين بإشراف أممي، وتشكيل لجنة اقتصادية لإدارة الإيرادات وصرف رواتب موظفي الدولة.
وأكد مسؤول حكومي بارز لـ "العربي الجديد": "أن المبادرة تنص على تشكيل لجنة لإدارة ميناء الحديدة من رجال أعمال يمثلون أكبر البيوت التجارية المعروفة في اليمن، وتعمل اللجنة على إعادة نشاط الميناء وإدارة إيراداته، مع التأكيد على أن تضم في عضويتها خبيرين مصرفيين يمثلان الحكومة والحوثيين".
وبموجب المبادرة، يتم تشكيل لجنة اقتصادية لإدارة إيرادات الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين، حسب المسؤول اليمني، على أن يتم تحويل الإيرادات إلى حساب بأحد البنوك العربية في العاصمة الأردنية عمان حيث مقر مكتب المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ، وأن يتم نقل عدد من موظفي قطاع حساب الحكومة العام بالبنك المركزي اليمني إلى عمان لإدارة الحساب وترتيب صرف رواتب موظفي الدولة.
وقوبلت مبادرة الأمم المتحدة برفض قاطع من تحالف المتمردين الحوثيين وحلفائهم من أنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، مع وضع شروط للقبول بها أبرزها أن تخضع جميع الموانئ اليمنية والمنافذ البرية والبحرية والجوية سواء تلك التي تخضع لسيطرة الحكومة أو الحوثيين لإشراف الأمم المتحدة، على أن يتم تحويل الإيرادات من المناطق المختلفة إلى حساب خاص في الأردن بإشراف أممي وإدارة مصرفيين يمنيين من صنعاء وعدن.
كما يشترط الحوثيون وصالح إلغاء العقوبات المفروضة على صالح ونجله وثلاثة من قيادات جماعة الحوثيين، مقابل موافقتهم على خطة المبعوث الأممي إلى اليمن لتسليم الحديدة والإيرادات.
وقالت مصادر مطلعة لـ "العربي الجديد" إن المبعوث الأممي إلى اليمن يعكف على وضع تعديلات على مبادرة الحديدة والرواتب أبرزها الاستجابة لشروط تحالف الحوثيين وصالح فيما يخص إشراف الأمم المتحدة على جميع الموانئ اليمنية بما فيها الخاضعة للحكومة وتحويل الإيرادات من مختلف مناطق السيطرة إلى حساب خاص في الأردن بإشراف مكتب المبعوث الأممي وبما يكفل صرف الرواتب.
لكن الحكومة اليمنية- بحسب المصادر- ترفض تحويل الإيرادات من مناطقها وتؤكد أن التعديلات على المبادرة غير مقبولة وأنها توافق فقط على تحويل إيرادات الدولة من مناطق الحوثيين إلى حساب خاص بإشراف أممي، وتعتبر أن "تحويل جميع الإيرادات من مختلف المناطق يعني نقل حساب الحكومة العام بعيدا عن البنك المركزي اليمني ما يعني تعطيله".
وتتزامن الجولة مع تصعيد عسكري كبير داخل الأراضي اليمنية والشريط الحدودي مع السعودية، حيث أطلق الحوثيون عددا من الصواريخ الباليستية على الأراضي السعودية، كما استهدفوا ميناء المخا بقارب مفخخ الأحد الثلاثين من يوليو المنفرط.

عنوانا التصعيد الجديد
على نحو مثير للجدل، عاد التصعيد العسكري إلى واجهة التطورات في اليمن، وهذه المرة، يبدو أن جماعة الحوثيين، اختارت وجهتها، براً إلى الحدود السعودية، التي حقق فيها مسلحو الجماعة وحلفاؤهم الاختراقات على الرغم من مرور ما يزيد عن عامين من الحرب الدائرة، وبحراً باتجاه البحر الأحمر، الذي أوصل فيه الحوثيون رسالة إلى القوات الإماراتية المسيطرة على الجزء الجنوبي من الساحل الغربي لليمن، عبر "قارب مفخخ" مُسيّر عن بُعد.
وكان مسلحو الجماعة، وفقاً لمصادر، دشنوا، منذ أيام، موجة تصعيد جديدة في المناطق الحدودية، شملت تكثيف القصف المدفعي والصاروخي (الكاتيوشا في الغالب)، على المواقع الحدودية السعودية، إلى جانب محاولات زحفٍ باتجاه المواقع العسكرية والقرى السعودية القريبة من الحدود، والقيام بعمليات قنص للجنود السعوديين، الذين أعلنت مصادر الجماعة وحلفاؤها مقتل العديد منهم خلال الأيام الثلاثة الأخيرة.
وأوضحت المصادر، أن الهجمات ومحاولات التقدّم من قبل الحوثيين وحلفائهم الموالين للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، كانت في الغالب على الحدود مع منطقتي جيزان ونجران، بالإضافة إلى مواقع حدودية سيطرت عليها قوات يمنية موالية للتحالف العربي تقدّمت، منذ أشهر، من جهة السعودية في الحدود مع منطقة عسير. وأعلن الحوثيون السيطرة على معسكر الجابري في قطاع جيزان، ومواقع أخرى في منطقة نجران الحدودية.
في المقابل، أكدت مصادر سعودية متفرقة تصعيد الحوثيين بهجمات حدودية، لكنها تحدثت عن التصدي لها ومقتل العشرات من مسلحي الجماعة. ونفذ التحالف سلسلة من الغارات الجوية في المناطق الحدودية وفي محافظة صعدة معقل الحوثيين على وجه خاص.
فيما أعلن المتحدث باسم الجيش الموالي للحوثيين، لقمان شرف، أن العمليات العسكرية في جيزان ونجران (السعوديتين) "تسير وفقاً للأهداف الإستراتيجية من أجل الحسم العسكري وحرمان ما أسماه العدو من تحقيق أهدافه في احتلال مواقع يمنية وقصر خطوط الإمداد".
وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يُصعّد فيها الحوثيون حدودياً ويسيطرون على مواقع عسكرية قريبة من الحدود، يضطرون من الانسحاب من بعضها لاحقاً، إلا أن التصعيد في هذا التوقيت، وبعد نحو عامين ونصف عام على بدء عمليات التحالف في اليمن، يُعد مؤشراً هاماً على استمرار الحوثيين بتهديد حدود السعودية وعدم نجاح الأخيرة بمنعه بعد آلاف الضربات الجوية، مع عدم إهمال وجود خسائر كبيرة يتكبّدها الحوثيون بمواجهات الحدود، لغياب عامل التوازن في القوة وعدم امتلاك الحوثيين للغطاء الجوي الذي يحميهم من الضربات الجوية. في وقتٍ تُعدّ فيه التضاريس الجبلية الوعرة لحدود محافظة صعدة مع السعودية، من أبرز العوامل التي تصب في خدمة الحوثيين وتقلل خسائرهم خلال المواجهات، حد مراقبين.
الجدير بالذكر، أن مناطق الحدود السعودية اليمنية كانت أبرز العوامل التي دفعت بالوضع إلى حرب الرياض مع الحوثيين، إذ يسيطر هؤلاء على محافظة صعدة اليمنية ومحيطها الذي يرتبط حدودياً مع نجران وجيزان وعسير من الجانب السعودي.
ومنذ مايو/أيار 2015، وبعد أقل من شهرين على بدء عمليات التحالف، تحوّلت المناطق الحدودية إلى ساحة مواجهات وضربات جوية مكثفة استُخدمت فيها الآلاف من القذائف المدفعية والصاروخية. ووفقاً لتقرير نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس) في مارس/آذار الماضي، أطلق الحوثيون وحلفاؤهم من الموالين لصالح، إلى ذلك الحين ما يقرب من 40 ألف قذيفة بين قذائف مدفعية وصواريخ. وينظر الحوثيون إلى الحدود بوصفها الساحة التي يستطيعون من خلالها إلحاق خسائر مباشرة وإيصال رسائل رد باتجاه السعودية.
من جهة أخرى، لم يقتصر تصعيد الحوثيين على الحدود السعودية، بل توجّهوا بحراً، بتنفيذ "عملية نوعية" بواسطة قارب مفخخ، أعلنت الجماعة وحلفاؤها، أنها استهدفت بارجة حربية إماراتية، في ميناء المخا غرب محافظة تعز، وتحدثوا عن مقتل 12 إماراتياً وجرح 23 آخرين جراء التفجير، في مقابل إعلان التحالف عن أن القارب اصطدم بالرصيف البحري، وأنه لم ينتج عنه أي خسائر.
وعقب ساعات من عملية ميناء المخا التي جرت، يوم السبت الماضي، أصدرت "القوات البحرية" التابعة للحوثيين بياناً حذرت فيه من "تحويل البحر إلى مسرح مواجهات كون ذلك ليس في مصلحة الجميع"، بالإضافة إلى التحذير من "استمرار الحصار ومنع السفن من الدخول إلى ميناء الحديدة"، ومن "المساس بالصيادين اليمنيين، سواء في باب المندب أو في المخاء أو الخوخة أو الجزر أو أي مكان".
ويمثّل تصعيد الحوثيين في الحدود والسواحل، وما رافقه من تهديد لافت في خطاب الجماعة، تطوراً لافتاً له أبعاده المحلية والإقليمية، إذ جاء بعد أن أعلنت قوات القوات الحكومية اليمنية والتحالف السيطرة على معسكر خالد، أحد أبرز معسكرات الجيش اليمني في الساحل الغربي، بعد مواجهات متقطعة حول المعسكر امتدت أشهراً ونفذ خلالها التحالف مئات الضربات الجوية.
كذلك تأتي التطورات الأخيرة عقب وصول الأزمة بين شريكي الانقلاب، إلى مستوى غير مسبوق، إذ هاجم الحوثيون مبادرة سياسية أطلقها البرلمان المحسوب على صالح. وفي السياق، أطلق المتحدث باسم الجيش الموالي للحوثيين، شرف لقمان، منذ أيام، تصريحاً مثيراً للجدل، تحدث فيه عن أن إحدى الرسائل المرتبطة بالتصعيد الصاروخي تجاه السعودية، موجّهة للأطراف السياسية التي تقدّم المبادرات، في إشارة إلى البرلمان المحسوب على صالح.
ومع ذلك، يبقى هذا العامل ضعيفاً نسبياً، فيما يبدو التبرير الذي يقدّمه الحوثيون لتحركاتهم، هو الأهم، وهو أن التصعيد يقابل تصعيد التحالف. ولا تغيب عن تفسيرات التصعيد، قراءة الحوثيين للتطورات الإقليمية على صعيد الأزمة الخليجية والتغييرات السياسية الداخلية في الجانب السعودي، بالإضافة إلى الحوادث الأخيرة، التي تُوصف من بعضهم، باستفزازات إيرانية لواشنطن، بما فيها القيام بتجربة صاروخية بالستية. وتبقى العوامل المحلية المرتبطة بتصعيد التحالف وتقدّمه في معسكر خالد، وبدرجة ثانية، الخلافات بين الشريكين، هي المؤشر الأقوى في التصعيد الأخير.

دعوة الحوثيين للهدنة مثيرة للجدل
التصعيد العسكري من قبل جماعة الحوثيون ضد السعودية والتحالف الذي تقوده، صاروخياً وبراً وبحراً، تكلل بمبادرة مثيرة، تدعو الرياض إلى هدنة، يجري التوقيع عليها في بيت الله الحرام بمكة المكرمة، في تطور يثير تساؤلات عما إذا كان ذلك سيعود بالأزمة اليمنية إلى المفاوضات الحوثية- السعودية، كما حصل عام 2016، ومن جهة أخرى تمثل انقلاباً مبدئياً على المجلس الذي تأسس بالمناصفة بين الجماعة وحزب المؤتمر برئاسة الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
وكان الحوثيون، وفي تحول مفاجئ، قد أعلنوا، مساء الأحد، مبادرة على لسان رئيس ما يُعرف بـ"اللجنة الثورية العليا"، محمد علي الحوثي، أحد القادة الكبار في الجماعة، والذي نشر المبادرة على صفحته الشخصية بموقع "فيسبوك".
وبعد أن جعل من "الحج" مدخلاً لإعلانه المثير، قال إنه "بهذه المناسبة، ولحرمة الحج وقداسة الأشهر الحرم، وتحريم القتال فيه إلا لدفع العدوان، أدعو المملكة العربية السعودية للتوقيع على هدنة فعلية في البيت الحرام"، وهو ما يعتبره البعض دعوة ضمنية لاتفاق "هدنة" ترعاه السعودية.
وأضاف الحوثي أن الهدنة التي يدعون إليها يلتزم خلالها "الجميع، في كل محاور القتال والمواجهات العسكرية، بعدم القتال وفك الحصار والسماح للحجاج اليمنيين بالحج حتى تنتهي هذه الأشهر، إكراما لهذه الأشهر وتعظيما لها بما عظّمها الله"، في سياق بدا من الواضح اختيار الحوثيين لمسألة متعلقة بالشعائر الدينية كمبرر لدعوته.
ومضى الحوثي قائلاً إنه "حتى يثبت النظام السعودي أنه ليس عدوانيا، وأنه ليس داعماً للإرهاب، وأنه يعمل على محاربته، فهذه خطوة لبداية الطريق؛ ندعوه إلى المبادرة بها، فهي تأتي في إطار القبول بالآخر الذي لا يحمل الفكر الذي يقوم النظام بتدريسه، ويعمل الآن على فتح مركز لمحاربته، كما أعلن عن ذلك في القمة المنعقدة في الرياض قبل أشهر".
وختم المتحدث مبادرته بالقول إنه "ما لم (يقبل الجانب السعودي) فنحن نحمل هذا النظام تبعات المنع ومسؤوليته، كما نحملهم مسؤولية العدوان والحصار والمنع، وما يترتب عليه من مجاعة وأوبئة وغيرها". 
وتحمل هذه الدعوة المثيرة في طياتها الكثير من الدلالات والرسائل، وفي مقدمتها التحول المفاجئ من لهجة التصعيد العسكري، بدأت بإطلاق صاروخ غير مسبوق من حيث المدى، باتجاه ينبع السعودية، ثم القصف بعدة صواريخ بالستية باتجاه قاعدة جوية في الطائف (اعتبره التحالف استهدافاً لمكة)، بالإضافة إلى التصعيد العسكري حدودياً، وإعلان السيطرة على مواقع عسكرية بالحدود، والتصعيد بحراً باستهداف ميناء المخا، بقارب مفخخ، والتحذير من "تحويل البحر الأحمر إلى ساحة الحرب"، وكل ذلك خلال أيام، وحتى الأحد.
وأفادت مصادر يمنية بأن التصعيد العسكري للحوثيين تراجع نسبياً منذ مساء الأحد، على الرغم من استمرار الغارات الجوية في العديد من المحافظات، بما فيها محافظة صعدة، معقل الحوثيين.

مسمار جديد في نعش تحالف هش
على نحو مفاجئ، تحوّل التصعيد إلى مبادرة تدعو السعودية إلى "هدنة"، وهو ما دفع بعض المحللين والمتابعين اليمنيين إلى اعتبار أن التصعيد العسكري الذي سبق الدعوة للهدنة كان في أحد أهدافه التمهيد لها، بحيث تبدو وكأنها جاءت من موضع قوة، وقد حملت لهجة أقل حدة تجاه الرياض، ومن أبرز ما تضمنته الإشارة إلى أن التوقيع على "الهدنة" يجري في البيت الحرام، إشارة إلى قبول الحوثيين بالعودة إلى مفاوضات مباشرة مع السعودية وتحت رعايتها.
وبهذا تعود للأذهان مشاورات الكويت التي انعقدت لثلاثة أشهر، العام الماضي، وجرى الحديث خلالها عن مقترح أن يكون التوقيع على الاتفاق، الذي يتم التوصل إليه، في مكة المكرمة.
وعلى الرغم من أن الحوثيين حاولوا إبعاد الصيغة الرسمية من الدعوة/ المبادرة، بجعلها صادرة عن رئيس "اللجنة الثورية"، وليس عن المتحدث الرسمي باسم الجماعة، محمد عبدالسلام، إلا أن الرسالة منها كانت واضحة، وقد تناولت قناة "المسيرة" الفضائية التابعة للجماعة خبراً عنها، باعتباره دعوة للسماح لليمنيين بالحج، ولم تبرز الدعوة في عنوانها على الموقع، بقدر ما تناولته في هذا السياق. 
وكان لافتاً مجيء الدعوة الحوثية بعد ساعات من تصريحات مثيرة أطلقها السفير الأميركي في اليمن، ماثيو تولر، بالدعوة للعودة إلى مفاوضات السلام، وانتقاد موقف الحوثيين المعارض لمبادرة المبعوث الأممي، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بخصوص "ميناء الحديدة"، مع حديث السفير عن إشارات إيجابية من حزب صالح بالتعامل مع المبادرة الخاصة بالحديدة، والتصريح الأخير بشأن حدة التوتر بين الحوثيين وحزب صالح بالهجوم الضمني على الحزب، حيث نشرت قناة "المسيرة" الحوثية خبراً بعنوان: "تحركات أميركية مريبة وطرف محسوب على القوى الوطنية يتماهى معها". 
 وفي السياق نفسه، تعد المبادرة الحوثية ودعوة السعودية إلى هدنة بمثابة مسمار جديد في نعش التحالف الهش بين الحوثيين وحزب صالح، لعدة اعتبارات، أبرزها صدور الدعوة عما يسمى بـ"اللجنة الثورية العليا"، التي كانت واجهة سلطة الحوثيين العليا في صنعاء، ويفترض أنها انتهت بالاتفاق الذي وقعه شريكا الانقلاب العام الماضي، وقضى بتشكيل "مجلس سياسي أعلى"، مؤلف بالمناصفة بين الطرفين يتولى إدارة البلاد، ثم على ضوئه جرى تشكيل حكومة انقلابية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
وجاءت المبادرة الحوثية لتهمش "المجلس السياسي" و"الحكومة"، وتتعدى مسألة الدعوة إلى هدنة إلى اقتراح توقيعها في "البيت الحرام"، وتحذير الجانب السعودي من عدم التجاوب معها، وكل ذلك يعني تجاوز المجلس الذي يشكل واجهة تحالف الطرفين، بالإضافة إلى أنها صادرة من طرف واحد، إن لم يكن بتنسيق غير معلن بينهما، ضمن تبادل الأدوار، وهو احتمال أضعف بالمقارنة بمؤشرات الخلاف. 
وفي هذا السياق، تبدو المبادرة الحوثية، في أحد زواياها، بمثابة خطوة ترد على المبادرة التي أطلقها البرلمان المحسوب على حزب صالح، وتعرضت لنقد لاذع من قبل الحوثيين، إلى حد خرج المتحدث باسم القوات الموالية للحوثيين، شرف لقمان، يصرح لقناة "المسيرة" الفضائية بأن إطلاق الصواريخ تجاه السعودية كان له رسائل، بينها الرد على المبادرات التي تطلقها أطراف سياسية، إشارة إلى البرلمان. 
ومن شأن المبادرة الحوثية، وقبلها مبادرة البرلمان المحسوب على حزب صالح، أن تمثلا واحدة من أبرز مؤشرات تفكك التحالف الذي جمعته الأهداف المؤقتة، وكان من أهم ما حافظ على بقائه العامين الماضيين تعرضه لحملة جوية تستهدف الطرفين، اللذين حاولا التهدئة أمام خلافات إدارية واسعة تصاعدت الشهور الماضية، في مؤسسات الدولة بصنعاء.
غير أن وصول الأمر إلى دعوة لترتيبات سياسية من قبل طرف دون الرجوع للآخر يمثل تطوراً هاماً على صعيد الخلافات، ما لم تنجح القيادات من الطرفين في احتوائه في الفترة المقبلة، كما حصل العام الماضي، بعد أن فتح الحوثيون في مارس/آذار2016 خطوط تفاهمات مباشرة مع السعودية، كانت محل تحفظ من حزب صالح.
وبين رسالة الحوثيين بـ"هدنة" مع السعودية، والتي لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستلقى قبولاً أو تعاملاً إيجابياً على الأقل، من الجانب السعودي، يعيد التفاهمات مع الجماعة، وبين الخلافات المتوقع أن تتصاعد بين الحوثيين وحزب صالح، على إثر هذه الدعوة، تبدو الأيام والأسابيع القادمة حُبلى بالكثير من الإجابات، التي سيكون لها ما بعدها بالتأثير على مسار الحرب والسلام في اليمن.